ابن أبي أصيبعة
247
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وكان سقراط زاهدا في الدنيا قليل المبالاة لها . وكان من رسوم ملوك اليونانيين إذا حاربوا أخرجوا حكماءهم معهم « 1 » في أسفارهم . فأخرج الملك سقراط معه في سفرة خرج فيها لبعض مهماته ، فكان سقراط يأوى في عسكر ذلك الملك إلى زير « منكسر يستكن » « 2 » فيه من البرد ، وإذا طلعت الشمس خرج منه فجلس عليه يستدفئ بالشمس ولأجل ذلك [ سمى ] « 3 » سقراط الجب . فمر به الملك يوما وهو على ذلك الزير ، فوقف عليه وقال : ما لنا لا نراك يا سقراط ؛ وما يمنعك من المصير إلينا ؟ فقال : الشغل أيها الملك . فقال : بماذا ؟ قال : بما يقيم الحياة . فقال : فصر إلينا ، فإن هذا لك عندنا معدّ أبدا . قال : لو علمت أيها الملك أنى أجد ذلك عندك ، لم أدعه . قال : بلغني أنك تقول إن عبادة الأصنام ضارة « 4 » . قال : لم أقل هكذا ! قال : فكيف قلت ؟ قال : إنما قلت إن عبادة الأصنام نافعة للملك ضارة لسقراط ، لأن الملك يصلح بها رعيته ، ويستخرج بها خراجه ، وسقراط يعلم أنها لا تضره ولا تنفعه [ إذ ] « 5 » كان مقرا بأن له خالقا يرزقه ، ويجزيه بما قدم من [ سيئ أو حسن ] « 6 » قال : فهل لك من حاجة ؟ قال : نعم ! تصرف عنى عنان دابتك ، فقد سترتنى جيوشك من ضوء الشمس . فدعا الملك بكسوة فاخرة من ديباج وغيره ، وبجواهر « 7 » وبدنانير كثيرة [ ليحبوه ] « 8 » بذلك . فقال له سقراط : أيها الملك وعدت بما يقيم الحياة ، وبذلت « بما يقيم » « 9 » الموت . ليس لسقراط حاجة إلى حجارة الأرض ، وهشيم النبت ، ولعاب الدود . الذي يحتاج إليه سقراط هو معه حيث توجه . كلام سقراط وكان سقراط يرمز في كلامه مثل ما كان يفعل فيثاغورس .
--> ( 1 ) ساقط في ج ، د . ( 2 ) في ج ، د « مكسور يجلس » الزير المنكسر والحواريين سقراط والملك معروف أنه كان بين ديوجينس الكلبي وبين أحد الملوك . فديوجينس هو الذي اشتهر بسكن الدن أو الزير المكسور . [ ابن جلجل ، طبقات الأطباء والحكماء هامش ص 32 ] . ( 3 ) في الأصل « شهد » والمثبت من ج ، د . ( 4 ) في ج « لسقراط ضارة » . ( 5 ) في الأصل « إذا » . والمثبت من ج ، د . ( 6 ) في الأصل « شئ أو أخره » والمثبت من ج ، د . ( 7 ) في ج ، د « ويجوهر » . ( 8 ) في الأصل « ليجيزه » والمثبت من ج ، د . ( 9 ) في ج ، د « بما لا يقيم » .